الآلوسي

78

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية )

بركتك ، وعاش عليه السلام بعد الخلاص من البلاء على ما روي عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما سبعين سنة ، ويظهر من هذا مع القول بأن عمره حين أصابه البلاء سبعون أن مدة عمره فوق ثلاث وتسعين بكثير ، ولما مات عليه السلام أوصى إلى ابنه حرمل كما روي عن وهب ، والآية ظاهرة في أن الأهل ليس المرأة رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ أي وآتيناه ما ذكر لرحمتنا أيوب عليه السلام وتذكرة لغيره من العابدين ليصبروا كما صبر فيثابوا كما أثيب ، فرحمة نصب على أنه مفعول له و لِلْعابِدِينَ متعلق بذكرى ، وجوز أن يكون رَحْمَةً وَذِكْرى تنازعا فيه على معنى وآتيناه العابدين الذين من جملتهم أيوب عليه السلام وذكرنا إياهم بالإحسان وعدم نسياننا لهم . وجوّز أبو البقاء نصب « رحمة » على المصدر وهو كما ترى وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ أي وأذكرهم ؛ وظاهر نظم ذي الكفل في سلك الأنبياء عليهم السلام أنه منهم وهو الذي ذهب إليه الأكثر ، واختلف في اسمه فقيل بشر وهو ابن أيوب عليه السلام بعثه اللّه تعالى نبيا بعد أبيه وسماه ذا الكفل وأمره سبحانه بالدعاء إلى توحيده ، وكان مقيما بالشام عمره ومات وهو ابن خمس وسبعين سنة وأوصى إلى ابنه عبدان « 1 » وأخرج ذلك الحاكم عن وهب ، وقيل هو الياس بن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هارون أخي موسى بن عمران عليهم السلام ، وصنيع بعضهم يشعر باختياره ، وقيل يوشع بن نون ، وقيل اسمه ذو الكفل ، وقيل هو زكريا حكى كل ذلك الكرماني في العجائب ، وقيل هو اليسع بن أخطوب بن العجوز ، وزعمت اليهود أنه حزقيال وجاءته النبوة وهو في وسط سبي بختنصر على نهر خوبار . وقال أبو موسى الأشعري ومجاهد : لم يكن نبيا وكان عبدا صالحا استخلفه . على ما أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد . اليسع عليه السلام بشرط أن يصوم النهار ويقوم الليل ولا يغضب ففعل ولم يذكر مجاهد ما اسمه . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قال : كان قاضيا في بني إسرائيل فحضره الموت فقال : من يقوم مقامي على أن لا يغضب ؟ فقال رجل : أنا يسمى ذا الكفل الخبر ، وأخرج عن ابن حجيرة الأكبر كان ملك من ملوك بني إسرائيل فحضرته الوفاة فأتاه رؤوس بني إسرائيل فقالوا : استخلف علينا ملكا نفزع إليه فقال : من تكفل لي بثلاث فأوليه ملكي ؟ فلم يتكلم إلا فتى من القوم قال : أنا فقال : اجلس ثم قالها ثانية فلم يتكلم أحد إلا الفتى فقال : تكفل لي بثلاث وأوليك ملكي تقوم الليل فلا ترقد وتصوم فلا تفطر وتحكم فلا تغضب قال : نعم قال : قد وليتك ملكي الخبر ، وفيه كذا في الخبر السابق قصة إرادة إبليس عليه اللعنة إغضابه وحفظ اللّه تعالى إياه منه ، والكفل الكفالة والحظ والضعف ، وإطلاق ذلك عليه إن لم يكن اسمه إما لأنه تكفل بأمر فوفى به ، وإما لأنه كان له ذا حظ من اللّه تعالى ، وقيل لأنه كان له ضعف عمل الأنبياء عليهم السلام في زمانه وضعف ثوابهم . ومن قال إنه زكريا عليه السلام قال : إن إطلاق ذلك عليه لكفالته مريم وهو داخل في الوجه الأول ، وفي البحر وقيل : في تسميته ذا الكفل أقوال مضطربة لا تصح واللّه تعالى أعلم . كُلٌّ أي كل واحد من هؤلاء مِنَ الصَّابِرِينَ أي على مشاق التكاليف وشدائد النوب ويعلم هذا من ذكر هؤلاء بعد أيوب عليهم السلام ، والجملة استئناف وقع جوابا عن سؤال نشأ من الأمر بذكرهم وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا الكلام فيه على طرز ما سبق من نظيره آنفا . إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ أي الكاملين في الصلاح لعصمتهم من الذنوب . والجملة في موضع التعليل وليس فيه تعليل الشيء بنفسه من غيره حاجة إلى جعل من ابتدائية كما يظهر بأدنى نظر وَذَا النُّونِ أي واذكر صاحب الحوت

--> ( 1 ) ثم بعث اللّه تعالى شعيبا ا ه منه .